د. عبدالله القفاري

صرخة قبل ان تنقرض المدرسة

التعليم يصنع المستقبل، سواء كان مستقبل الطلبة في المدارس والجامعات، أو مستقبل المجتمع ككل، لكن الحقيقة الأليمة أن معظم برامج التعليم في العالم غير

التعليم يصنع المستقبل سواء كان مستقبل الطلبة في المدارس والجامعات، أو مستقبل المجتمع ككل، لكن الحقيقة الأليمة أن معظم برامج التعليم في العالم غير قادرة على ذلك، بل ان أساس فكرة التعليم هي المشكلة من وجهة نظري وتعاني من مشكلات اساسية جوهرية كبيرة، أهمها أن الطريقة والمناهج لا تتناسب مع التطورات السريعة للعالم، وخاصة مع ثورة المعلومات و"انفجار الذكاء الاصطناعي" في العالم، ومشكلات كثيرة غيرها.

في البداية لك ان تتخيل اخي القارئ الكريم أن من وضع نظام التعليم التقليدي اليوم مات قبل ما يقارب من 200 عام، آي قبل اختراع التلفاز ذو اللونين الأسود والابيض ب 35 عام، و التلفاز تطور اليوم حتى اصبح جوال باليد تشاهد فيه العالم بالصوت والصورة الفائقة الدقة، وتتحدث معهم من قلب الحدث عبر وسائل التواصل، بينما في الجانب الاخر نجد التأخر الكبير في تطور شكل المدرسة التقليدية وقد يعود ذلك إلى عقلية كبار السن هي العقلية المسيطرة حتى الآن على التعليم النظامي بالعالم، وبالتالي لا يزال التعليم يُقام على شكل سجن كبير، وعليه سور مرتفع ويحتوي على عدة غرف تسمى فصول او قاعات كما في الجامعات أيضا حيث يجلس فيها الطلاب يستمعون إلى المعلم او الدكتور بانصات شديد ، ويحمل الطلاب الشنط المدرسية على ظهورهم المليئة بالكتب التي طبعتها وزاراة التعليم بعضها يزيد عن 14 عشر كتابا وينقلون في كثير من الأحيان عبر باصات بعضها متهالكة من الصباح الباكر الى مابعد الظهيرة لمدة خمسة ايام في الأسبوع.. وفي نهاية العام يساق الطلاب كما تساق الاضاحي في العيد..! الى اختبار تجتمع فيه القبائل من المعلمين والمسئولين والمشرفين، وتوضع فيه لجان المراقبة والمراجعة وكأنها حرب داحس والغبراء، وتستنفر الأسرة والجهات الرسمية الأخرى للحد من آثار هذه الحرب وبسبب هذه الامتحانات تنتشر بعض السلوكيات السلبية كالتجمعات والتسكع والمعاكسات وربما تناول بعض المنشطات وغيرها.

لهذا وذاك نؤكد على أن هناك اشياء في الحياة يجب أن تتغير والا سوف تنقرض كما انقرضت الديناصورات بسبب عدم قدرتها على مجاراة التغير البيئي، ومن ذلك ماينطبق اليوم على النظام التعليمي التقليدي في المدارس والجامعات، والذي قد ينقرض يوما وربما ليس ببعيد على جيل الشباب القادم لان هذا التعليم يُعيق التفكير الإبداعي الذي يواكب عصر التقنية وعصر المال والاعمال.

هذا التفاوت الكبير بين الواقع والمأمول يجعل النقاش حول التعليم وتطويره ساخنا ومعقدا بشكل دائم، ويتوقع أن يزيد هذا في العقد القادم لأن التقنية الرقمية وتقنيات المستقبل ستحدث تغييرات حادة في مختلف القطاعات، وهو ما حدث بالفعل مع اصطدام العالم لجائحة كورونا، فلو كانت هناك إيجابية صنعتها كورونا فهي إجبارنا أخيرًا على التعليم الإلكتروني وأن نتعامل مع برمجيات التعلم عن بعد.

واليوم اعيد تساولاتي التي طرحتها العام الماضي عبر تويتر لماذا لا يقوم العالم بتطوير فكرة التعليم الى فكرة التدريب والتطوير وصناعة المهارات والغاء الامتحانات التقليدية والمدارس المغلقة والتردد على المدرسة خمسة ايام دون جدوى والبحث عن البدائل الابداعية وتفعيل رؤية التعليم والتدريب والتقويم بصورة إلكترونية وباعمال تطبيقية ميدانية بعيدا عن جو المدرسة التقليدي؟.. لماذا لايجتمع علماء العالم في المجال التعليمي والتقني والفكري لبناء أسلوب حديث للتعليم بعيدا عن المدرسة التقليدية وعن النظام التعليمي التقليدي..؟ اتمنى ان نرى ذلك قريبا.. قبل ان يثور الجيل القادم ويترك المدرسة لكبار السن او الطلاب الفاشلين..! في ظل التحول العالمي المطالب بالمهارات على المعلومات.

كما أن التعلم الإلكتروني اليوم يجب أن لايكون تعلمًّا (بديلا) وليس منفذًا في الأوقات الصعبة، بل هو حلّ جوهري للمتعلم، وعلينا أن نوفر بنية تحتية تكنولوجية عالمية قائمة من الذكاء الاصطناعي وقادرة على التكيف مع أسلوبه في الأوقات كلّها وعلى مدار العام، فقد آن الأوان كي يختار الطالب نظام تعليمة.

أحد خبراء الاقتصاد العالمي حذّر اليوم من أنّ التسونامي الرقمي سيؤدي إلى تلاشي التعليم التقليدي، متسائلا متى سنتّجه نحو التعلّم بدلاً من التعليم ومتى سيصبح المعلّمون أصحاب المشروعات التقنيّة وروّاد التكنولوجيا، وما الغاية من الذهاب إلى الجامعات على وضعها الحالي، وقال إن الركود يعني أنّ نصف الخرّيجين يعملون بوظائف لا تتطلّب شهادة، وأشار إلى أن النظم التعليمية الحالية يجب أن تتغير، وقال علينا أن ننتقل من التعليم التقليدي الى الرقمي، مؤكدا أن الدول لن تعترف قريباً إلّا بالتعليم الرقمي وأن تقنية المعلومات هي الثورة الأكبر.

كما كشفت دراسة إلى أن عام 2030 سيشهد تحول 90% من جامعات أمريكا إلى جامعات رقمية لهذا السبب قررت دولة "النرويج إتاحة جامعاتها خلال عامين لكل إنسان في الدنيا يريد أن يتخرج منها رقمياً وبصورة مجانية. لهذا وذاك نطرح تساؤلا لكل المسؤولين على الجامعات في الوطن العربي هل نحن مستعدين لهذا اليوم..؟ ام أن جامعاتنا ستكون دينسورا سينقرض قريبا..؟! ام اننا سنواكب هذه السرعة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي والتطور التقني ونواكبها ايضا في جميع مراحل التعليم لدينا..؟

إذا نظرنا إلى جهود الوطن وفقاً لرؤية المملكة 2030 نجد ان هناك اهداف إستراتيجية جميلة في هذا المجال ونجد أن وزارة التعليم سعت إلى التحول الرقمي، وذلك من خلال استحداث العديد من البرامج، والذي يأتي في المقدمة برنامج " بوابة المستقبل" والذى حمل شعار " نحو تعلم رقمي" وهو برنامج هدفه التحول نحو التعلم الرقمي، ولكن هل هو على المستوى المامؤل..؟ لاندري ولكن كما يقول المثل الشعبي الميدان ياحميدان.

اما من ناحية الجامعات فلا أشاهد نموذج مميز في جامعاتنا بل ربما لا نشاهد أي تحرك نحو الهدف وما نشاهده هي انظمة تقنية متهالكة في كثير منها لايواكب أي نوع من انوع التقنية المعاصرة فضلا ان يكون لها أي دور في مجال الذكاء الاصطناعي التعليمي او التعلم عن بعد.

يجب أن نعلم أن الجيل القادم لا يفكر كما كنا نفكر، ولا يلعب كما كنا نلعب، ولن يتعلم بنفس الطريقة التي تعلمنا بها بالأمس وحتى اليوم، وربما ما يزال البعض يتساءل: هل نحن حقا جاهزون لهذا التحول أم لا..؟؟

هذه الصرخة أطلقها لمن يهمه الأمر..! كما أتمنى أن تتبني المؤسسات والهيئات المعنية فكرة صناعة العلماء والقادة من الصغر، من خلال طلاب وزارة التعليم ومبادرة موهبة ومؤسسة مسك الواعدة، ليعيدوا لنا التخطيط الاستراتيجي للتعليم، وتبني التعليم الرقمي والتدريب وصناعة المهارات والاهتمام بالموهوبين من أبناء الوطن.

واخيرا هل سنشاهد تغيير حقيقي عالمي لطريقة المدرسة التقليدية قبل ان تنقرض المدرسة على يد طلابها ..؟ اجعل الإجابة لكم وللعالم وللزمن وليشهد التاريخ ما اقول لكم..!