رحيل العلماء: فراق لا يعوض
في كل زمان، يرحل عنّا علماء أفذاذ يتركون إرثًا علميًا عظيمًا وأثرًا طيبًا
في كل زمان يرحل عنّا علماء أفذاذ يتركون إرثًا علميًا عظيمًا وأثرًا طيبًا لا يمحى. فكلما غاب عالم نشعر بأن نورًا من أنوار العلم قد انطفأ، وأن فراقه ليس مجرد غياب شخص بل هو فقدان مصدر من مصادر الهداية والإلهام. وبينما نودع هؤلاء العلماء ندعو الله أن يرفع درجاتهم في الجنة وأن يبارك في علمهم الذي أفادوا به الأمة.
الشيخ محمد صدقي أحمد البورنو عالم جليل وأثر لا يموت
كان رحمه الله من العلماء الذين أفنوا حياتهم في خدمة العلم والتعليم. عاش في السعودية لأكثر من خمسين عامًا، وكان محبًا للمملكة أرض الحرمين وعلمائها وأهلها، حيث وجد فيها وطنًا له.
حياة مليئة بالعطاء
وُلد الشيخ في غزة عام 1931م، وشارك في الجهاد ضد الإنجليز في فلسطين حين انضم إلى جيش الإنقاذ خلال حرب 1948، فأُسر وسُجن لدى الجيش الإنجليزي. لكنه لم يتوقف عن السعي للعلم، فانتقل إلى القاهرة حيث تخرج من جامعة الأزهر في اللغة العربية والشريعة الإسلامية، ثم درّس في المغرب وليبيا قبل أن يستقر في السعودية، ويعمل أستاذًا في جامعاتها، حيث برز عالمًا جليلًا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكان له دور بارز في تأسيس قسم أصول الفقه فيها.
إنتاج علمي زاخر
ترك الشيخ تراثًا علميًا غنيًا، ومن أبرز مؤلفاته:
- موسوعة القواعد الفقهية -- تعد الأولى من نوعها في ترتيب القواعد ألفبائيًا
- الوجيز في إيضاح القواعد الفقهية الكلية
- الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز
- الذكر وأثره في دنيا المسلم وآخرته
- كشف الساتر عن غوامض روضة الناظر -- شرح لكتاب روضة الأصول لابن قدامة
تواضع وزهد رغم العلم الواسع
كان الشيخ يعيش حياة بسيطة رغم علمه الغزير، وكان دائمًا يقول لمن يدعوه بطول العمر: "لا تدعُ لي بطول العمر، ولكن ادعُ لي بحسن الختام، فإنني أنتظر الموت."
عاش حياة السلف بين مكتبته ومصلاه ومحبرته، متبعًا قول الإمام أحمد: "من المحبرة إلى المقبرة."
ما جلست معه يومًا إلا تنورت بكلماته، وزهدت بالدنيا من حديثه، وأقبلت على مكتبتي أبحث وأنهل من العلم، كأن كلماته تفتح أبواب الفهم وتشحذ الهمة للسير على طريق العلماء.
مواقف نادرة
- تواضعه العميق: كان دائمًا يُشجّع طلابه على طلب العلم بحب وصدق دون تمايز، ولم يكن يتفاخر بعلمه بل يرى نفسه مجرد طالب علم وكل ما وصل إليه هو بفضل الله.
- الإصرار على العلم: رغم تحديات الحياة كان الشيخ يقضي ساعات طويلة في مكتبته يسعى للتطوير العلمي حتى في سن متقدمة.
- دعاؤه بحسن الختام: كان يردد دائمًا أن يدعو له الناس بحسن الختام بدلًا من طول العمر وهو ما يعكس حرصه على أن يخرج من الدنيا وهو في أفضل حال.
- إيمانه العميق بالذكر: من خلال كتابه الذكر وأثره في دنيا المسلم وآخرته كان يحثّ الناس على الذكر مؤكدًا أثره العميق في حياة المسلم في الدنيا والآخرة.
رحيله وأثره
توفي الشيخ عن عمر 98 عامًا، لكنه ترك علمًا يُنتفع به، وأبناءً نجباء هم: الحارث وعبدالرحمن ومحمد وعبدالله وإبراهيم جعلهم الله خير خلف لخير سلف.
نسأل الله أن يجزيه خير الجزاء ويرفع درجته في عليين ويجعله من أهل الفردوس الأعلى ويجزيه خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين.